صديق الحسيني القنوجي البخاري
13
فتح البيان في مقاصد القرآن
فأنغضوا رؤوسهم إلى المسلمين ويقولون قتل القوم ، وإذا رأوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تناجوا وأظهروا الحزن ، فبلغ ذلك من النبي صلى اللّه عليه وسلم ومن المسلمين ، فأنزل اللّه هذه الآية : وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال : « قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث فإن ذلك يحزنه » « 1 » . وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه : عن أبي سعيد قال : « كنا نتناوب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، يطرقه أمر أو يأمر بشيء ، فكثر أهل النوب والمحتسبون ليلة ، حتى إذا كنا أنداء نتحدث ، فخرج علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، من الليل فقال : ما هذه النجوى ؟ ألم تنهوا عن النجوى ؟ قلنا : إنا كنا يا رسول اللّه في ذكر المسيح ، فرقا منه ، فقال : ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي منه ؟ قلنا : بلى يا رسول اللّه قال : الشرك الخفي أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل » . قال ابن كثير : هذا إسناد غريب ، وفيه بعض الضعفاء ، ثم بين لهم ما يتناجون به في أنديتهم وخلواتهم فقال : وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى أي بالطاعة وترك المعصية ، ثم خوفهم سبحانه فقال : وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ فيجزيكم بأعمالكم ثم بين سبحانه أن ما يفعله اليهود والمنافقون من التناجي ، هو من جهة الشيطان فقال : إِنَّمَا النَّجْوى يعني الإثم والعدوان ومعصية الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، مِنَ الشَّيْطانِ لا من غيره أي من تزيينه وتسويله . لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا أي لأجل أن يوقعهم في الحزن ، بما يحصل لهم من التوهم أنها في مكيدة يكادون بها قرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي من أحزانه والباقون بفتح الياء وضم الزاي من حزن يقال حزنه وأحزنه بمعنى ، قال في القاموس : وأحزنه جعله حزينا ، والقراءة الأولى أشد في المعنى وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً أي وليس الشيطان أو التناجي الذي يزينه الشيطان أو الحزن بضار المؤمنين شيئا من الضرر إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي بمشيئته وقيل : بعلمه . وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ أي يكلون أمرهم إليه ويفوضونه في جميع شؤونهم ويستعيذون باللّه من الشيطان ، ولا يبالون بما يزينه من النجوى . [ سورة المجادلة ( 58 ) : الآيات 11 إلى 16 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 11 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 12 ) أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 13 ) أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 14 ) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 15 ) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 16 )
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الاستئذان باب 47 ، ومسلم في السلام حديث 37 ، 38 ، والترمذي في الأدب باب 59 ، وابن ماجة في الأدب باب 50 ، ومالك في الكلام حديث 13 ، 14 ، وأحمد في المسند 1 / 431 ، 460 ، 462 ، 464 ، 2 / 9 ، 32 ، 73 ، 79 ، 121 ، 123 ، 126 ، 141 ، 146 .